ابن عربي

203

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 130 ] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) إلى الهوى يرجع السفه ، ودع عنك كلام من موّه . العقل عن السفاهة منزه ، وما هو بعاقل حتى يتنبه « وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ » الصلاح أشرف مقام يصل إليه العبد ، ويتصف به في الدنيا والآخرة ، فإن الصلاح صفة امتن اللّه بها على من وصفه بها من خاصته ، وهي صفة يسأل نيلها كل نبي ورسول ، والصلاح صفة ملكية روحانية ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول فيها : إذا قال العبد في التشهد « السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين » أصابت كل عبد صالح للّه في السماء والأرض .

--> يعرفوا ما كتب لهم في الصحف المنزلة ، « والحكمة » أن يضعوا العبادات التي كلفتهم مواضعها ، ويرتبوها كما شرعتها زمانا وحالا ومكانا وقولا وفعلا وعقدا ، فإن الحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها ، قال : « وَيُزَكِّيهِمْ » أي يطهرهم ويكثر الخير لهم ، قال تعالى : ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) ثم قال : « إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ » الذي لا تغالب ولا يمتنع عليك شيء فإنه يقول : لا راد لأمره ، ثم نعته ب « الْحَكِيمُ » تسليما له في فعله لعلمه بالأمور ، فإن اقتضت حكمته سبحانه فيما دعاه به خليله أجابه ، وإن لم يكن فالأمر إليه ، فهو سبحانه أعلم بمصالح عباده ، ولا سيما وقد تقدم له عليه السلام قوله : ( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) في سؤاله الأول في الإمامة لذريته ، ثم قال : ( 131 ) « وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ » يقال : رغبت عن كذا إذا زهدت فيه ، واللّه تعالى يقول : ( اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) * فقال : « وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ » عن الدين الحنيفي الذي هو الإسلام إلا سفيه في نفسه ، أي سخيف ضعيف الرأي والعقل ، ليس عنده رشد ، والسفه في اللسان الخفة ، والضمير في نفسه يعود على من سفه نفسه في موضع رفع ، وانتصب على التمييز ، كقوله غبن رأيه ، أي غبن رأيا ، وسفه نفسا ، والمعنى في ذلك واضح ، وقوله : « وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا » وقد علمتم أنا اصطفيناه أي صفيناه من الصفوة واجتبيناه واخترناه للخلة والإمامة في الدنيا « وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ » أي من الذين أدوا حقوق اللّه على التمام والكمال من غير أن يتخللها ما يفسدها ، المعنى